زكريا القزويني
67
آثار البلاد واخبار العباد
والبساتين . قال : فدنونا من القصر فإذا هو من حجارة وكلس غلب عليه ماء البحر ورأينا على بابه صخرة عظيمة عليها مكتوب : غنينا بهذا القصر دهرا فلم يكن * لنا همّة إلّا التّلذّذ والقصف يروح علينا كلّ يوم هنيدة * من الإبل يعشو في معاطنها الطّرف وأضعاف تلك الإبل شاء كأنّها * من الحسن آرام أو البقر القطف فعشنا بهذا القصر سبعة أحقب * بأطيب عيش جلّ عن ذكره الوصف فجاءت سنون مجد بات قواحل * إذا ما مضى عام أتى آخر يقفو فظلنا كأن لم تغن في الخير لمحة * فماتوا ولم يبق خفّ ولا ظلف كذلك من لم يشكر اللّه لم تزل * معالمه من بعد ساحته تعفو قال : فعجبنا من ذلك ، ثمّ مضينا إلى الساحل الذي ذكر أن فيه كنزا ، فأمرنا الغوّاصين فغاصوا وأخرجوا جرارا من صفر مطبقة بصفر ، فلم نشكّ انّه مال حتى جمعت جرار كثيرة ، ففتحنا بعضها فخرج منها شيطان وقال : يا ابن آدم إلى متى تحبسنا ؟ فبينا نحن نتعجّب من ذلك إذ رأينا سوادا عظيما أقبل من جزيرة قريبة من الساحل ، ففزعنا فزعا فاقتحم الماء وأقبل نحونا ، فإذا هي قردة قد اجتمع منها ما لا يعلم عددها إلّا اللّه . وكانت تلك الجزيرة مأواها ، وأمامها قرد عظيم في عنقه لوح حديد معلّق بسلسلة ، فأقبل إلينا ورفع اللوح نحونا ، فأخذنا اللوح من عنقه فإذا فيه كتابة بالسريانيّة ، وكان معنا من يحسن قراءتها فقرأها فإذا هي : بسم اللّه العظيم الأعظم . هذا كتاب من سليمان بن داود رسول اللّه لمن في هذه الجزيرة من القردة ، إني قد أمرتهم بحفظ هؤلاء الشياطين ، المحبّسين في هذه الناحية في هذه الجرار الصفر ، وجعلت لهن أمانا من جميع الجنّ والإنس ، فمن أرادهن أو عرض لهنّ فهو بريء مني ، وأنا بريء منه في الدنيا والآخرة .